حسن ابراهيم حسن
518
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
في مدينة هراة حيث دعاه أحد الأهالي لتناول طعام العشاء في داره ، ثم عبر له عن حزنه لمرض ابنته الوحيدة التي كانت مصدر بهجته وسروره ، وقال إنها في أيام الحيض تنزف عشرة أو خمسة عشر منا « 1 » من الدم حتى تخور قواها . ثم أضاف أنه استشار كثيرا من الأطباء الذين تولوا علاجها ، ولكن على غير جدوى ، وقال إن الأطباء إذا وقفوا الدم انتفخ بطنها وزاد ألمها ، وإذا تركوه نزف وظهر عليها الهزال وتعرضت للهلاك . وطلب نظامى عروضى إلى الرجل أن يخبره حين يعود الحبض إلى ابنته . ويقول نظامى عروضى : « فلما انقضت عشرة أيام جاءتني أم المريضة ، فسرت معها وأحضرت البنت أمامى » ، فرأيتها رائعة الجمال حائرة يائسة من الحياة . فلما رأتني ارتمت على قدمي وقالت : أي أبى ! أغثني لوجه اللّه فإني شابة ولم أر الدنيا . فانهمر الدمع من عيني وقلت لها : طيبي نفسا فهذا أمر يسير . ثم وضعت يدي على نبضها فوجدته قويا ، وكذلك كان لون وجهها عاديا ، وقد توفرت فيها أكثر الأمور العشرة كالامتلاء والقوة والمزاج والسمنة والسن ( يقصد سن الشباب ) والفصل وهواء البلد والعادة والأعراض الملائمة « 2 » فدعوت فصادا وأمرته بفصد عرق الباسليق في يديها ، ثم أخرجت النساء من حولها ، وقد خرج الدم الفاسد ، وأخذت منها بالإمساك والتسريح ألف درهم من الدم « 3 » ، فسقطت المريضة لا تعى . فأمرت بإحضار النار وشويت بجانبها اللحم والطير حتى عبق البيت برائحة الكباب وصعد بخاره إلى دماغها ، فتابت إلى رشدها وتحركت وتأوهت . ثم أعدت لها شرابا مقويا لذيذ الطعم ، وعالجتها أسبوعا حتى استعادت الدم الذي فقدته وزالت عنها العلة وانتظم الحيض عندها . وكنت أناديها بابنتي وكانت تنادينى يأبى ، وهي اليوم منى كأبنائى « 4 » . ومن ذلك نرى أن المسلمين الأوائل كانوا على دراية بالتشريح ودراسة أعضاء الجسم دراية عميقة تمكنهم من إجراء العمليات الناجحة .
--> ( 1 ) كيل أو ميزان وهو يساوى رطلين . ( 2 ) لعل نظامى عروضى يقصد أن حالتها الاجتماعية تجعلها في رخاء وسعة من العيش مما يتضمن سلامة جسمها وعدم تعرضها للمرض لنقص الغذاء . ( 3 ) يقصد أنه تحكم في دورتها الدموية باستنزاف الدم الفاسد وحفظ الدم النقى وظل على هذا النمط حتى بلغ ما استنفده من الدم الفاسد وما استطاع حفظه في الجسم من الدم النقى نحو ما يساوى ألف درهم . وكان ذلك في مدة من الزمن تجرى لإجراء العملية بهذا المقدار . ( 4 ) نظامى عروضى : جهار مقاله ، الترجمة العربية س 89 - 90 .